الإمارات ونساء تونس: خشية أم عربدة؟

قبل أيام اتخذت السلطات الإماراتية قراراً مفاجئاً بعدم قبول أي مواطنة تونسية على خطوط شركة طيران الإمارات المتوجهة إلى دبي، باستثناء المسافرات اللواتي يحملن إقامات دائمة أو جوازات سفر دبلوماسية، دون تحديد سنّ معينة أو تبيان تاريخ انتهاء المنع. وطولبت مكاتب التسجيل في مطار قرطاج الدولي بتنفيذ القرار فورياً، دون استثناء المسنات والرضع والملتحقات بأزواج يعملون في الإمارات، مما ألحق الضرر الإنساني والمادي المباشر بعشرات التونسيات المسافرات لأسباب مختلفة. ولأن السلطات الإماراتية لم تكترث بتقديم أي تفسير، فقد أثار الإجراء حالة سخط عارمة في صالات المطار، سرعان ما انتقلت اصداؤها إلى الشارع الشعبي ثم إلى الحكومة التونسية.

 

وأصدر المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر تجمّع للنقابات في البلد، بياناً شديد اللهجة أدان فيه الإجراء “المرتجل والتعسفي والعنصري”، واعتبره “صلفاً وعربدة دولة واعتداء سافراً على كل التونسيات والتونسيين، ومسّاً من كرامتهم”. من جانبها أصدرت أربع روابط وجمعيات ومنظمات حقوقية بياناً ليس أقلّ شدة في لهجته، ندد بالقرار ”التمييزي والعنصري والذي يعد امتهاناً لكرامة النساء التونسيات وانتهاكاً لحقوقهن الأساسية”، كما تضمن ”مطالبة السلطات التونسية باتخاذ موقف صارم والتصدي إلى كل مساس بكرامة التونسيين والتونسيات”.

 

وبالفعل، لم يتأخر ردّ الحكومة وجاء من أعلى المستويات، ابتداء من رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي الذي استقبل وزير الشؤون الخارجية في الحكومة وبحث معه الإجراء الإماراتي وشدد على “ضرورة صون كرامة كل المواطنين التونسيين”، مؤكداً على “عدم المسّ بحقوق المرأة التونسيّة مهما كانت الدواعي والمبرّرات”. كذلك سارع رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، إلى استقبال سفير الإمارات في تونس بعد ساعات قليلة أعقبت قرار المنع، وكذلك فعلت وزارة الخارجية. لكن الرد التونسي الرسمي بلغ أوجه في قرار الحكومة تعليق رحلات شركة طيران الإمارات من تونس وإليها، إلى أجل غير مسمى.

 

هذه الردود، في مستوياتها الشعبية والحكومية معاً، عبرت عن حرص المجتمع والدولة على كرامة المواطن التونسي بصفة عامة، وعلى المكانة الخاصة للمرأة التونسية بصفة خاصة. في المقابل كان الصمت المطبق الذي طبع رد فعل الحكومة الإماراتية، سواء على صعيد الأجهزة الرسمية أو حتى الإعلامية، دليلاً على سلوك مناقض يستهين بكرامة الإنسان في دولة عربية شقيقة، ولا يكترث حتى بتبيان أسباب الاستهانة، أو الخشية والحذر!

 

وكان لافتاً أن الإمارات الرسمية انتظرت يومين كاملين قبل أن يتنازل وزير الدولة للشؤون الخارجية أنور قرقاش، ولكن من خلال تغريدة على “تويتر” فقط، فيكتب: “تواصلنا مع الإخوة في تونس حول معلومة أمنية فرضت إجراءات محددة وظرفية”! هذا التبرير أثار مزيداً من السخط والسخرية في الأوساط الشعبية التونسية، إذ كيف يعقل أن تكون تونس مصدر المعلومة الأمنية، وهي التي استدعت سفير الإمارات للوقوف منه على أسباب الإجراء الإماراتي التعسفي؟ وكيف يستقيم هذا التفسير الكسيح، والناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية، سعيدة قراش، أعلنت أن السلطات الأمريكية هي مصدر معلومات الإمارات؟

 

وبين فرض الحصار على دولة شقيقة، ومنع مواطنات دولة شقيقة أخرى من السفر، لا تواصل الإمارات نهج العزلة فحسب، بل تتمادى أكثر في التعنت والتعسف والإهانة.

 

*المصدر : القدس العربي.