غزل السديس مع الخارجية الأمريكية

أليس من المضحك المبكي أن يُعقد مؤتمر لرابطة العالم الإسلامي في نيويورك الولايات المتحدة، التي شاركت في جميع الحروب على دول العالم الإسلامي والعربي، بدءاً من أفغانستان إلى العراق إلى غيرهما وأحياناً تعلنها حرباً صليبية جهاراً نهاراً دون خوف أو خجل، وصنعت ختماً كتبت عليه كلمة “الإرهاب” ووضعته على جبين الإسلام والمسلمين، لقتلهم وتشريدهم.

وساندت وماتزال تساند الصهاينة الذين اغتصبوا الأقصى ثاني الحرمين وأولى القبلتين، ثم يخرج السديس إمام الحرم المكي ثاني القبلتين بتصريح على هامش هذا المؤتمر ويقول فيه “إن السعودية والولايات المتحدة قطبا هذا العالم في التأثير، وبزعامة الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يقودان العالم والإنسانية إلى مرافئ الأمن والسلام والاستقرار والازدهار”.

تصريح يدفع للاستغراب من شخصية إسلامية مهمة ومعروفة، وكانت محبوبةً عند جميع المسلمين، لأنها تربط بينهم وبين قبلتهم الكعبة المشرفة التي يصلي إماماً أمامها، وكم أبكى الكثير من الحجيج والمعتمرين بصوته الشجي، ودعائه للمسلمين المضطهدين في مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكن يُفهم من دعائه إلا أنه يدعو على اليهود الصهاينة، ومن يساندهم وأمريكا بالدرجة الأولى، وهذا ما جعل المجتمع الإسلامي يشعر بالانفصام عندما سمع هذا التصريح الغريب الذي نزل عليهم كالصاعقة التي تَخْطَف الأبصار وتذهب بالعقول، من قوتها وشدة حرارتها.

أصبح المسلمون يقارنون بين دعاء إمام الحرم أمام الكعبة المشرفة في رمضان وأيام الحج، وبين التصريح المخزي الذي سمعوه منه، وهو الذي كانوا يحلمون بالصلاة وراءه، ويُؤَمنوا على الدعاء خلفه، وقتها فقط أدركوا لماذا لا يستجيب الله دعاء أئمتهم -وعلى رأسهم السديس- الذي نال وبجدارة وسام دعاة على أبواب السلاطين الذين باعوا دينهم بدنياهم، ومن كان كذلك سيناله الخزي في الدنيا والآخرة، وسيسلط الله عليه ألسنة الناس، لتجريده وتعريته من الثوب الشرعي الذي يستتر به، وهذا ما حصل لإمامنا العظيم الذي أصبح عرضةً لحديث الصحافة والكتَّاب والناقدين، وأول من رد عليه اليهودي الأمريكي اليساري نعوم تشومسكى فقال “إن أمريكا تقود العالم من حرب إلى حرب، بينما يقول السعودي السلفي عبد الرحمن السديس إمام الحرم المكي، إن أمريكا تقود العالم إلى مرافئ السلام”.

صحيح بأن هذا التصريح جعلنا نستغرب لكن إذا عدنا إلى تصريح الخارجية الأمريكية سيزول هذا الاستغراب، فلقد قال وزير الخارجية الأمريكي تيلرسون: فتحنا مكتباً مشتركاً في الرياض، لتنقية الكتب الدينية من التطرف وذلك بإنتاج كتب جديدة لِتُدرَّس في السعودية وتوزع على مستوى العالم، وسحب جميع الكتب التي تُدَرَّس وتوزع حالياً، كما سيتم إعداد أئمة مساجد شبان معتدلين، وذلك تحت رقابة عناصر البيت الأبيض مباشرة، أي سيأتي المقرر مكتوباً عليه صححه ترمب! وهذا ما يجعلنا نعود إلى عام 2002م لنتذكر مشروع مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط، من أجل الاهتمام بالإصلاح التعليمي، هنا نتوقف قليلاً، لنقارن بين هذا الكلام وبين كلام السديس، وسنجد بأن المعنى واحد ولكن الصيغة اختلفت وستذهب الغرابة من التصريح.

أيها السديس، هل أنت أول إمام تُعِدُك أمريكا لكي تحقق لها مشروعها؟ إلى أين يا دعاة الخليج! هل لم تعد تعجبكم كتب ابن باز وابن عثيمين وابن عبد الوهاب وابن تيمية رحمهم الله تعالى حتى تغيروا النهج والمنهاج؟ هل سننسى كلمة صححه الألباني رحمه الله على كتبتكم، لنقرأ عبارة جديدة مكتوباً عليها نقحه مجموعة من عناصر البيت الأبيض؟ إلى أين يا دعاة الخليج، هل إلى الإفراط أم إلى التفريط؟ حددوا لنا وجهتكم، كي يتمكن طلابكم من فهمكم، فتارة سلفية متشددة، وتارة تمييع في أحكام الدين، لكن نعدكم بقوله تعالى “أَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ”.

 

عمار العيسى