البحرين وإسرائيل.. تطبيع بالعلن تحت غطاء التسامح الديني

شهدت لوس أنجلوس حالة من الاحتفاء بالتسامح الديني البحريني، شارك في رعايتها مركز سيمون فيزنتال خلال الأسبوع الماضي. فما الذي سيعتقده شيعة البحرين في هذا الشأن؟ المقال الآتي للكاتب والباحث ريتشارد سيلفرستاين يعرض التفاصيل.

تنفذ إسرائيل مؤخرًا المزيد من الخطط والغارات بين الأنظمة العربية الدكتاتورية في الشرق الأوسط. ففي مطلع العام الحالي، زار زوجٌ من قادة الحاخامات بمركز سيمون فيزنتال، الذي يتخذ من لوس أنجلوس مقرًا له، دولة البحرين حيث عقدا لقاءً مع ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة. شجب العاهل العربي خلال اللقاء، حسبما قال الحاخامان، المقاطعة العربية طويلة الأمد لإسرائيل، وقال إن مواطنيه يمكنهم زيارة إسرائيل.

كما أكد أيضًا على خططه لفتح متحفه الخاص هذا العام، والذي سيُكرَّس للتسامح الديني. وإن صح ما قيل، ستكون هذه التصريحات بمثابة انحراف جذري لإحدى الدول العربية في مسير التطبيع العلني مع إسرائيل.

أعلن الحاخامان إبراهام كوبر ومارفن هير عن هذه التطورات الأسبوع الماضي خلال الاحتفال بـ “التسامح الديني” البحريني في متحف التسامح الديني بلوس أنجلوس. وانضم إلى ولي العهد البحريني خلال الاحتفالية 400 ممثل لعدد من المعتقدات الدينية في محاولةٍ للترويج للتنوع الديني في البلاد.

وقد عزفت أوركسترا البحرين الوطنية تحت قيادة ضابط – لا تقل رتبته عن “مشير” – النشيد الوطني الإسرائيلي “هاتكفا”، الذي يدعو إلى العودة الجماعية ليهود الشتات إلى وطن اليهود. ومن جهتها، شعرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بالإثارة جراء هذه الأخبار حتى أنها كسرت البروتوكول، وأذاعت القصة من خلال تغريدة نشرتها على حسابها العربي بموقع تويتر.

حُذفت التغريدة لاحقًا عندما أشار أحد الأشخاص إلى احتمالية تعرض الملك إلى الانتقادات بسببها، ولا سيما أنه لم يؤكد بنفسه علنًا على مزاعم الحاخامين.

تواصلتُ مع السفارة البحرينية في واشنطن ومع وزارة الخارجية في البحرين لأسأل عما إذا كانت تصريحات الحاخامين تشكل سياسةً رسميةً للدولة، ولكن لم يرد أي شخص حتى الآن.

التسامح وسيناترا

ذكرت نقاط الحديث التي شُدد عليها خلال المراسم، والتي سُلط عليها الضوء كما ينبغي من صحيفة جيروزاليم بوست اليمينية المتطرفة، وجاء في الخبر ما يلي “شهد حوالي 400 ممثل من هذه المجموعات المتنوعة إعلان تأييد الحرية الكاملة لاختيار العقيدة، وحماية الحكومة للأقليات، وضمان أن العقيدة الدينية تؤدي دورها باعتبارها مصدرًا لسعادة البشرية كلها وباعتبارها أساسًا للسلام في العالم”.

كما يذكر المقال أن البحرين تعاملت بخبث مع اليهود الذين عاشوا فيها قبل تأسيس إسرائيل عام 1948، لكنه يطالب القراء بعدم الخوف من هذا؛ لأن البغض “لم يكن” خطأ البحرينيين، بل بسبب المحرضين “المؤيدين لفلسطين”.

وتحسبًا لاحتمالية عدم معرفة القارئ بهذا الشأن، واصل المقال تأكيده على إحسان الملك حمد، الذي شهدت البحرين منذ تربعه على العرش في عام 2002 “حالة مثالية من العلاقات بين المجموعات الدينية حسبما يرى المراقبون الأجانب والمحليين”. كما علمنا أيضًا أن نفس الملك يمتلك مجموعة مبهرة لتسجيلات ألبومات فرانك سيناترا.

غير أننا لم نحظَ بمعلومات حول هوية هؤلاء “المراقبين المحليين والأجانب” الذين لم يسمهم المقال. من المؤكد أن الحاخامين من ضمن المراقبين الأجانب الداعمين لهذه التصريحات. أما بالنسبة للمراقبين المحليين، فلديّ شكوك قوية حول وجود أي مواطن شيعي بحريني بينهم؛ إذ إن البحرين ذات الأغلبية الشيعية تضطهدهم لصالح الطبقة الحاكمة السنية، التي تسيطر على الجيش، والتجارة، ومعظم مقاليد السلطة.

من المثير للسخرية أيضًا أن يعلن الملك عن التسامح مع الأقليات في بلاده، دون أن يذكر الحالة البائسة للأغلبية الشيعية من السكان.

ويبدو أن ثمة مفارقة ساخرة أخرى بشأن حاخامي مركز فيزنتال وهي المتعلقة بأن إسرائيل تخبر العالم بكل فخر بشأن تسامحها الديني، وهي التي قمعت الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال لبلادهم فحرمتهم من كافة حقوقهم، بل حتى أنها تمارس تمييزًا وقمعًا ضد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعيشون داخل حدود الدولة.

سوف تضطر إسرائيل للقيام بذلك

كما لو أننا لم نكتفِ من المفارقات الساخرة، ترى إسرائيل، التي تعتبر نفسها إحدى الديمقراطيات (والتي يروج لها مناصروها في الغالب باعتبارها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”)، أن أفضل أصدقائها هم أسوأ المنتهكين لحقوق الإنسان وأكثر الحكام استبدادية. يذكر مؤيدو إسرائيل بكل فخر أن مثل هذه التطورات (بما فيها المشاهدة المزعومة لولي العهد السعودي في إسرائيل خلال الأسبوع الماضي) تشكل تحولًا جذريًا ومرحبًا به في قبول إسرائيل في أنحاء العالم العربي.

فوفقًا لما قاله الحاخام هير “إن كان علي أن أتنبأ، سأقول لكم إن العلاقات بين العالم العربي وببن دولة إسرائيل سوف تتغير تغيرًا دراماتيكيًا”. وأضاف أن الملك “ذكي ويتقدم المجموعة”.

وما يتجاهله هو أن تقارب إسرائيل يتم مع نصف العالم الإسلامي: السُنّة، العدو اللدود للنصف الآخر: الشيعة. ويبدو أن مؤيدي إسرائيل تناسوا هذه الحقيقة، وتظاهروا أن المسلمين في العالم هم سُنّة فقط.

والأكثر من هذا أنهم فشلوا أيضًا في أن يضعوا بعين الاعتبار أن هذا التحول ليس جذريًا في سلوكيات المسلمين، بل هو تحولٌ تكتيكيٌ. فالسُنَّة لم يصيروا فجأةً صهاينة وتلاميذَ لثيودور هرتزل. كما أنهم لا يستمتعون باحتمالية سيطرة اليهود على أماكنهم المقدسة في القدس.

لكنهم يفهمون أن لديهم تحالفات قليلة في المنطقة ضد عدوهم الشيعي اللدود إيران. كما أن الإسرائيليين يمتلكون القوة العسكرية والقدرات الاستخباراتية التي يمكن تسخيرها ضد الدولة الشيعية، والتي تفتقر إليها الدول السنية. لذا فإن الإسرائيليين سيضطرون للقيام بذلك.

استغلال الدين

أما المفارقة الساخرة الأخيرة، وهي بمثابة الضربة القاضية بين جميع المفارقات، هي أن متحف التسامح الذي يروج لهذا المبدأ والذي ينشره مركز فيزنتال، ليس إلا عملية احتيال. فلكي يبنوا متحف القدس الخاص بهم، استولوا على قطعة من الممتلكات في القدس كانت تضم مقبرة تاريخية للمسلمين تحتوي على قبور تعود إلى مئات السنين.

وبدلًا من احترام الموتى ومعاملتهم بما هو لائق من توقير واحترام، مزق مشروع البناء الأراضي بالحفارات، وطرح الرفات جانبًا، ثم تخلص منها. ذلك هو مبدأ التسامح الديني لدى فيزنتال: التسامح مكفول للجميع، ماعدا الفلسطينيين المسلمين. وإذا كنت مسلمًا يمكن استغلاله مثل البحرينيين، سوف تحظى بوافر الاحترام. وفي النهاية، تعد مسألة نشر هذا الفهم المغلوط والسطحي لفكرة التسامح الديني مثالًا صريحًا على استغلال الدين من أجل إعلاء نسخة قومية منه، واستخدامه غطاءً لقمع الأقليات الدينية (أو في الحالة البحرينية، لقمع الأغلبية الدينية).