1 مشاهدة

مقال بعنوان عركة السيد مع العصائب

عركة السيد مع العصائب

 

سليمان الحكيم

لم يكن ينقص العراق إلا نشوب معارك بين جيش السيد مقتدى الصدر والعصائب , وهي معارك لو بدأت فستكون دامية وستمتد من بغداد الى كل محافظات الجنوب , وستهدد الأمن الوطني باحتمالات تطورها الى حرب أهلية ؛ وقد ذكر لي صديق قريب من الصدريين , أن رأيين يتنازعان قرار مقتدى فيما يجب عمله تجاه العصائب , فنواب كتلته البرلمانية وأعضاء هيئته السياسية تعهدوا له بعزلها سياسياً , و أشاروا عليه بتجاهلها لأنها في ظنهم ليست إلا حفنة من سيئي السمعة وبلا شعبية , وأن إدخالها العملية السياسية كان مناورة قام بها السيد نوري المالكي لابتزاز التيار الصدري وتطويعه , وأنه في أول صفقة سياسية سيبيعها ويعيدها الى المجهول الذي قدمت منه , فضلا عن أن التصدي لها بالقوة المسلحة غير مأمون العواقب عراقياً وايرانياً ؛ وكان للهيئة العسكرية والأمنية للتيار الصدري رأي مخالف ومؤداه أنه يجب تصفية العصائب بالقوة المسلحة وضرورة طردها من مدينة النجف على الأقل , لأنها تشكل خطراً بحكم معرفتها بتركيبة التيار واطلاعها على شؤونه المالية والعسكرية , وأن نموها سيكون بالضرورة على حسابه خاصة بتواصل الدعم الإيراني لها.

أصدر السيد مقتدى يوم أمس بياناً وضع فيه ” فيتو ” على دخول العصائب في العملية السياسية , مانحاً بذلك نفسه سلطة سياسية لا يملكها , ووصاية على شيعة العراق لا يستحقها  , وشبّه أفراد العصائب بالكلاب , وهو تعبير منفلت يؤكد الظنون حول شخصية السيد ولا يليق بمعمم ولا بسياسي , ثم عايرهم بتسليم سلاحهم للدولة متناسياً الصفوف الطويلة لأفراد جيشه في عام 2005 وهم يبيعون أسلحتهم للدولة لينخرط وتياره بعدها بالنظام السياسي الذي أقامه الاحتلال الأميركي , وليغرفوا جميعا من المال العام بشراهة وبكل الطرق بما في ذلك الاغتيال , وكانوا كشأن – زملائهم في العملية السياسية – من أبطال الفساد العظيم الذي لا سابق له في تاريخ الدول .

لم يكن الشقاق بين السيد مقتدى وقيادة العصائب بسبب خلاف حول قضية وطنية أو مسألة دينية , وإنما يرجع إلى نزاع مالي بينه وبين السيد سلام المالكي الذي كان وزيراً للنقل عام 2006 ممثلا للتيار الصدري في حكومة السيد ابراهيم الجعفري , ففي ذلك الوقت جرى فرض أتاوة مالية على شركات النقل الجوي عن كل ساعة طيران تقوم بها من وإلى بغداد وكان الاتفاق أن تؤدى النسبة الكبرى من تلك الأتاوة الى السيد مقتدى باعتباره وليّ النعمة الذي رفع بائع ملابس مستعملة في أسواق البصرة الى مرتبة وزير , ولكن السيد اكتشف أن وزيره ” يلفلف ” من وراء ظهره حصة أكبر مما تم الاتفاق عليه , فطرده من الجنّة الصدرية بعد جلسة عاصفة شهد وقائعها حيّ الحنّانة بالنجف الأشرف لينسحب بعدها المالكي الى مدينته البصرة ويستقطب زمرة من جيش المهدي ويعلنوا انشقاقهم وتأسيس العصائب ؛ وقد بادرت الأجهزة الأمنية الايرانية الى تبنّيهم بظن أنهم قد يكونون أكثر فاعلية من التيار الصدري , خاصة وأنها كانت قد راهنت على السيد مقتدى عشية الاحتلال الأميركي للعراق , واحتفى به شخصياً مرشدها الأعلى خامنئي في تموز 2003 وشبهه بالسيد حسن نصر الله , وأصدر تعليماته بتمويل وتسليح جيش المهدي , ولكن آمال ايران منيت بالخيبة عقب معركة النجف بين هذا الجيش والشرطة العراقية في ربيع 2004 , فقد كان أداء السيد مقتدى وجيشه في تلك المعركة فضيحة عسكرية وأخلاقية .

كان غريباً أن يقول السيد مقتدى في بيانه أن المرشد الأعلى الايراني والسيد السيستاني والشيخ الحائري يحرّمون إضعاف التيار الصدري ويعتبرون ذلك إضعافا للمذهب الشيعي , فلم تكن الأجهزة الايرانية لتتبنى العصائب منذ العام 2007 وتموّلها وتسلّحها بدون معرفة المرشد وموافقته , كذلك فإن للسيد السيستاني رأي مشهور ومعروف بالسيد مقتدى وجيشه , وقد خاضت الشرطة العراقية معركتها معه بالنجف عام 2004 بعلم السيستاني ورضاه , ووقتها غادر الرجل العراق الى لندن بحجة العلاج وهو يرجو أن يعود وقد خلت النجف من مقتدى وزمرته ؛ كذلك بادر الشيخ الحائري وقتها الى التبرؤ من السيد مقتدى , وهذا بدوره أعلن استنكافه عن تقليد الحائري وعاد الى تقليد أبيه بعد أن أصدر فتوى بجواز تقليد المرجع الميت ؛ والأخطر من ذلك كله أن بيان السيد مقتدى تضمن اعترفاً صريحاً بأن تياره محمي بفتاوى حوزة قم وليس بشيعة العراق كما يزعم كهنة المعبد المقتدائي , وقد فات السيد مقتدى أن من يملك إضفاء الحماية على طرف في ظرف ما , قد يسحبها عنه في ظرف مختلف , وبلا شك فإن شرخاً قد أصاب تلك الاسطوانة التي ما فتيء المقتدائيون يكررونها حول عروبة حوزتهم الناطقة , وتهجمهم لسنوات على ما يدعونه بالحوزة الصامتة ذات الأصول الأعجمية , فإذا بهم اليوم يحتمون بفتاوى المرشد الايراني والمراجع الأعجمية في النجف وقم ! .

وكما كان المال سبباً للشقاق الأول بين السيد مقتدى والعصائب , فإنه كان أيضاً سبب الخلاف الأخير بينهما , فمن المعروف أن لمقتدى استثمارات مالية في لبنان يديرها أحمد الجلبي , وكان يتابع تلك الاستثمارات عضو التيار الصدري السيد شبل الزيدي , ولسبب ما انشق هذا الشبل عن التيار قبل شهور والتحق بالعصائب حاملا معه نصيباً من تلك الأموال, وفي ظني أن محاولات تسوية الموضوع لم تفلح , فانفجر الخلاف دون أن يتطرق أحد من طرفيه الى أسبابه الحقيقية .

لا تختلف العصائب بسلوك أفرادها وبطائفيتها وبكونها ذراعاً ايرانياً عن جيش السيد مقتدى وتياره , فكلاهما ادعى زوراً أنه يمثل المقاومة العراقية للمحتل الأميركي , وكأن المقاومة هي مجرد صواريخ يتم نصبها تحت جنح الظلام باتجاه القواعد الأميركية ليسقط معظمها على بيوت العراقيين , أوهي فقط عبوات ناسفة تُزرع في الظلمة لتنفجر بأول آلية قادها سوء الطالع الى ذلك المكان , وكان الأحرى بتجار المقاومة هؤلاء أن يدرسوا تجارب الشعوب المقاومة في الجزائر وفييتنام وجنوب اليمن وجنوب افريقيا علّهم يفقهوا معنى تلك الكلمة المقدسة .

……………………………..

……………………………..

يلفت النظر أن أحداً من العصائب أو المقتدائيين لم يفتح ما لديه من ملفات سوداء عن الطرف الآخر , ولم يكن ذلك عن  تعفف أو التزام بشرف الخصومة , ولكن بسبب أنهم جميعاً طفوا على سطح السياسة العراقية من قاع واحد بلا تمايز  لأحد عن الآخر , فرئيس العصائب الشيخ قيس الخزعلي – على سبيل المثال – لم  يجتز في تعليمه المرحلة الثانوية , وكان ووالده السيد عاشور وكيلين لدى جهاز الأمن العام العراقي , كذلك عمل الناطق باسم العصائب السيد سلام المالكي مترجماً لدى القوات البريطانية المحتلة قبل انضمامه لجيش المهدي , ثم أصبح نائباً لمحافظ البصرة حيث مارس سرقة وتهريب النفط لصالح السيد مقتدى الذي كافأه بعدها بمنصب وزاري ؛ وبالمقابل فإن سيرة المقتدائيين ليست أكثر نقاء, يشهد على ذلك تاريخ أبي درع والنائبين حاكم الزاملي وجواد الحسناوي والشيخ مصطفى اليعقوبي والذمة الواسعة للسيد بهاء الأعرجي وشقيقه وكل قيادات التيار الصدري ؛ لقد مارسوا جميعاً القتل على الهوية الطائفية والدينية , و أرهبوا المواطن العراقي  المغلوب على أمره وابتزوه بالأتاوات , وحاولوا الحجر على حريات الناس و فرض طريقتهم الظلامية على أسلوب معيشتهم , لقد أساؤوا الى الاسلام العظيم وحقروه في أعين العالم , وهم في واقع الأمر ليسوا إلا نسخة متشيعة من قطعان تنظيم القاعدة .