2,129 مشاهدة

اعترافات عبد الجبار محسن:سنوات المحنة وديمقراطية البعث

عبد الجبار محسن

أما كون البعث حزباً (قومياً)، فإن مفهوم القومية التي عرفها ميشيل عفلق بأنها (حب قبل كلّ شيء) صارت كراهية لكل شيء… إن قومية البعث تجلـّت في التآمر على أول وحدة عربية ممثلة في الجمهورية العربية المتحدة والقيام بانقلاب عسكري تخفّى خلف وجوه السياسيين فيه عسكريو وقادة البعث… وقد تجلت قومية البعث في التآمر على ثورة اليمن، وتجلت في إنشاء الجبهة العربية لتعميق الانقسامات في منظمة التحرير، وتجلت في اغتيال ملاكات الثورة الفلسطينية، لاسيما المنتمين لفتح وبواسطة (أبو نضال)، ثم اغتيال (أبو نضال) لأن الحاجة إليه قد انتفت… كذلك تجلت قومية البعث في إرسال الجيش الشعبي إلى لبنان ليزيد أوار الفتنة، ثم تجلت في القضاء على الميثاق الوليد بين الرئيس البكر والرئيس الأسد، رحمة الله عليهما، واتهام سوريا بأنها تقف وراء مؤامرة خطرة ضد نظام البعث. أما كون البعث ديمقراطياً، فالشواهد كثيرة على هذه الديمقراطية، منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- جذب الحزب الشيوعي العراقي، (مجموعة اللجنة المركزية عامر عبدالله ورفاقه)، جذبهم إلى جبهة وطنية وإعطاؤهم حقيبتين وزاريتين ثم الانقضاض عليهم قتلاً وسجناً وتشريداً.

2- ومن ديمقراطية البعث، القضاء على مجموعة عزيز الحاج الشيوعية وتعيين منْ رضخ منهم وتنكر لحزبه بوظيفة محرر في جريدة (الثورة).

3- ومن ديمقراطية البعث، تأسيس حزب كردي كان رئيسه هاشم عقراوي، وقد كان رحمه الله عضو قيادة فرقة في حزب البعث، إضافة لوظيفته كرئيس للحزب الوطني الكردستاني.

4- ومن ديمقراطية البعث، الحكم بالإعدام على كل منْ ينتمي لحزب سياسي أو حتى يخفي انتماءه السابق.

5- ومن ديمقراطية البعث، الحكم بالإعدام على كل منْ يتفوه بكلمة ضد الرئيس.

6- ومن ديمقراطية البعث، عدم السماح لأي متهم سياسي بتوكيل محامٍ.

7- ومن ديمقراطية البعث، تنفيذ حكم الإعدام في ليلة واحدة بأربعين مواطناً، لأنهم تظاهروا في الشارع المقفر بين النجف وكربلاء، مع أن المحكمة المؤلفة من ثلاثة أعضاء، بما فيهم رئيس المحكمة د. عزت مصطفى والعضو فليح جاسم، قد رفضا التصديق على الحكم، وكان جزاء فليح جاسم عضو القيادة القطرية الاغتيال… أما د. عزت مصطفى فقد شفع له أحمد حسن البكر.

8- ومن ديمقراطية البعث، معارضة قول الحق تعالى: (ولا تزرْ وازرةٌ وزر أخرى). فأقارب ما يسمونه الخائن يصيرون خونة ولا يسمح لأي منهم البقاء أو العمل في أي مكان مهم حساس أو فيه امتياز… ومع ذلك، فإن الأمر لا يسري على الأقارب أو أهل مدينة تكريت. فالدكتور منذر الشاوي، وهو شقيق الشاوي الذي تنكر لصدام وترك سفارة العراق في لندن، قد عُينَ وزيراً للعدل استثناء من شرط العمر، في حين أُعفي شبيب المالكي بسبب العمر وفي المرسوم نفسه، وكأنّ صدام يقول لشعبه (طز عليكم).

9- وكان هناك مبدأ أثري يعتمده حزب البعث اسمه (الديمقراطية المركزية)، ويقوم على خضوع الأقلية للأكثرية، وانتخاب القيادات العليا من قبل القيادات الدنيا، والنقد والنقد الذاتي. ومع أن هذه المقولة مجرد تنظير، فقد استنكف صدام أن تظل شاخصة أمامه. فأعلن أنها يجب أن تتحول إلى (المركزية الديمقراطية)، أي تقديم المركزية التي هي سلطته على الديمقراطية التي خشي أن تمتد عدواها… وهكذا صار أعضاء القيادة يُفصلون ويُعدمون فرادى أو جمعاً بقرار ويحتلون مواقعهم بقرار… أُفرغ الحزب من كل صوت يناقش مجرد مناقشة، وكان رجال الأمن والمخابرات حاضرين في كل تنظيم حزبي، بل إن الحزب نفسه قد تحول إلى جهاز أمني يرسم خارطة لمنطقة عمله ويؤشر عليها المساكن الخائنة والمساكن الموالية، وكان هذا يسمى (الجرد)، وقد أصبح (الجرد الشغل الشاغل لكل الجهاز الحزبي). ويذهب الناس في نزهات بين أحضان الطبيعة عندما يكون الجو رائقاً… أما فاضل البراك، مدير المخابرات وأحد أعمدة الطائفية السبعة، فكانت له نزهته الخاصة… يجمع حشداً من الموقوفين في شاحنة بعد أن يكون التحقيق قد انتهى معهم وتقرر مصيرهم، ويذهب إلى البرية أو حافة الصحراء… وهناك تنتظر معدات الحفر الثقيلة. وعند مجيئه تروح تحفر خندقاً طويلاً يناسب عدد المعتقلين، فيوقفهم صفاً واحداً ويطلقون عليهم الرصاص، ثم تدفع المعدات أجسادهم إلى الخندق، ويقوم أحد الضباط بإطلاق الرصاص على الأجساد الميتة خشية ان يكون أحدهم ما برح حياً… وحتى في لحظات العمر الأخيرة، فإن المعتقل يُضرب ويُنكّس رأسه إلى الأرض إذا ما حاول رفع عينيه إلى السماء داعياً و مردداً الشهادة. وفي الوقت الذي تبدأ فيه المعدات بطمر الخندق، يخرج الخادم (لفاضل) من حقيبته بعض الفواكه والشراب ليقدمها للسيد العام (هكذا يُسمّى).

لكن محامياً صنديداً في لجنة الدفاع عن صدام اسمه (الغزي)، راح يحدّث الـ (بي بي سي) ببعض الجمل ليقول بعد كل كلمة (نقطة) ليستهوي الرعاع من أمثاله، وإنه ليشكو الظلم لأنه ركب من المطار إلى المنطقة الخضراء التي فيها بيت المحامين، وبسيارة أجرة من دون استقبال حافل أو مصاحبة، ومن دون أن تُهيأ له سيارة ليموزين. وإني لأسأل هذا المرتزق الذي اصطف مع المرتزقة المحتالين ليأخذوا حصتهم كماً هائلاً من الدولارات من كريمات صدام وزوجته ويجعلوهن الضحية فصرْنَ فوق مصيبتهن ضحية النصب والاحتيال لكل أفاق مثل الغزي. ولقد كان شاهداً على الجرائم التي أسلفت الحديث عنها، ويعرف أن صدام قد حقق مع أربعين بعثياً بينهم خمسة من أعضاء القيادة القطرية وعضو قيادة قومية، وحكم عليهم في الليلة نفسها ونفذ فيهم حكم الإعدام في اليوم التالي، فأين كان هذا المرتزق هو وزملاؤه من هذه الجريمة وسواها؟. لاشك أنه لو نصب نفسه محامياً لهم لأُعدم معهم، ولاشك أنه ما كان ليحصل على هذا المال… وهكذا فإن الدولارات وليس العدالة وشرف المهنة، من سجايا النفوس المنحطة.

وكانت تُوزع استمارات، على المواطن أن يذكر فيها أين ولد وفي أي عام وأين درس الابتدائية وصولاً إلى الجامعة، ثم من هم أبناؤه وأحفاده، ومن هم أشقاؤه وزوجاتهم، ومن هم أشقاء زوجته ومهنهم وانتماءاتهم. وكان الحزبيون يقيدون كل اسم لرجل أو امرأة يثير الشك بأنه ربما يكون رافضياً أو باطنياً أو شعوبياً والعياذ بالله.

أما عن خلاف البعث مع عبد الناصر، باعتباره نظاماً مخابراتياً، فقد كان لدى البعث الأجهزة المخابراتية التالية:

1- رئاسة المخابرات العامة.

2- جهاز الأمن الخاص.

3- مديرية الأمن العامة.

4- مديرية الاستخبارات العسكرية.

5- جهاز للأمن في كل دائرة ومصنع ومنشأة.

6- أمن خاص بالرئيس يديره شخصياً.

وأما عن وسائل التجسس، فتشمل الأفراد من الجنسين وبائعات الهوى وزرع الكاميرات والمسجلات، واستئجار البيوت للمراقبة. وأصبح من الاعتيادي أن تتجسس المرأة على زوجها، كما حصل مع العميد أكرم فهمي مدير ألعاب الجيش، حيث أُرغمت زوجته التي يحبها وتحبه على وضع تسجيل له وكانت النتيجة إعدامه. ويشمل نطاق التجسس أعضاء القيادتين القومية والقطرية والوزراء والمديرين العامين وحتى مسؤولي الأجهزة الأمنية. حيث أعدم فاضل البراك نفسه الذي كان مدير جهاز المخابرات، كما أعدم معاون مدير الاستخبارات العسكرية. ونجا مسؤول شعبة إيران في الاستخبارات وفيق السامرائي بأعجوبة، واغتيل طه الجبوري مدير مكافحة التجسس في المخابرات، ونعيم العضاض مسؤول الجهاز الفني… ومن أعضاء القيادة القطرية تمّتْ تصفية كل من:

1- أحمد حسن البكر.

2- صالح مهدي عماش.

3- عدنان الحمداني.

4- غانم عبد الجليل.

5- محيي الشمري.

6- محمد محجوب.

7- محمد عايش.

8- فليح جاسم.

9- عبدالكريم الشيخلي.

10- مرتضى سعيد عبدالباقي.

11- عدنان خير الله (صهر الرئيس وابن خاله).

12- عبد الخالق السامرائي.

13- منيف الرزاز (من مؤسسي الحزب).

14- فؤاد الركابي (امين سر الحزب الاسبق).

فأما أن يكون أربعة عشر من أعضاء القيادة خونة بالفعل، وتلك مصيبة، أو يكونوا قد أعدموا مظلومين، فالمصيبة أعظم..

حدث كل هذا وميشيل عفلق صامت كالحبلى سفاحاً. لقد جرت العادة قبل صدام أن يُعقد مؤتمر الحزب بفترات دورية ليناقش القيادة السابقة، وأن يُصدر بياناً يحلل فيه الوضع الراهن سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ما هو كائن وما ينبغي أن يتحقق للفترة المقبلة. وكان آخر مؤتمر يلتزم بذلك هو المؤتمر القطري الثامن… ففي زمن صدام، صار القائد يلقي خطاباً عن سيدنا إبراهيم. ثم يقترح أحد الحضور اعتبار الخطاب وثيقة وبرنامج عمل فيصفق الحضور، ويفتح باب الترشيح، ومنْ يريده يثني عليه ويقترح اسمه أو يوصي به خيراً… والسلام. ويتم ذلك بحضور حشد من رجال الأمن الخاص مدججين بالرشاشات، ثم يُمنح كل عضو في المؤتمر مبلغاً نقدياً هدية.

وأمّا عن (اشتراكية البعث)، فقد حققت التالي:

1- احتلال كل فرد من أقارب الرئيس مساحة واسعة من الأرض المستصلحة وتدار على نفقة الدولة.

2- توزيع أراضي بعض الملاك على المقربين، كما حدث مع أراضي المرحوم مجيد الخليفة.

3- الاستحواذ على بساتين المالك بثمن رمزي أو بالقوة، كما حدث مع بساتين الدورة، حيث بنى المسؤولون هناك دوراً للرفاهية. ولكي تكون قريبة من السكن فلقد أنشأوا زمن الحصار جسراً ذا طابقين وليس طابقاً واحداً.

4- وكانت المياه تتدفق على أراضي المسؤولين وبحيراتهم على حساب حصة الفلاحين.

5- وفي مجال الملكية العامة، فقد منحت حقول الدواجن إلى نجل الرئيس عدي بالكامل ومن دون ثمن.

6- وبيعت ممتلكات القطاع العام على المحاسيب.

7- وازداد الفقراء فقراً وانحدرت الطبقة الوسطى الى مستوى الفقراء.

8- وتفشت البطالة بين الناس حتى تجاوزت الستين بالمائة من القوى العاملة، وانحدر مستوى دخل الفرد إلى أقل من عشرة دولارات سنوياً.

9- وامتلأت الشوارع والساحات بالكبار والصغار من الشحاذين. وكجزء من اشتراكية الرئيس، فإنه كان يجمع بعضهم في العيد ويمنح كلاً منهم مبلغاً بسيطاً.

10- وتفشت السرقة والبغاء بسبب الفقر.

11- ولم يعدْ أحد ينبس بكلمة اشتراكية لا داخل الحزب ولا خارجه.

12- وتضايق الرئيس من كراس حمل عنوان (بعض المنطلقات النظرية التي أقرها المؤتمر القومي السادس)، فقرر إلغاءه ومنع تداوله… لأن فيه بعض المصطلحات (الاشتراكية) و(اليسارية).

البعث والأقليات القومية

 ولنر الآن كيف عامل حزب البعث الإنساني جداً الأقليات القومية…. لقد تم وضع وتنفيذ البرنامج التالي:

1- تُنشأ قرىً على الطرق العامة وليس بعيداً عنها، وقريباً من المدن وليس بعيداً عنها، ثم يُرحّل جميع الأكراد الذين يسكنون السهول والأرياف والقصبات البعيدة إلى هذه القرى… والهدف هو إخلاء الأماكن الوعرة القصية من أي تجمع سكاني يمكن ان يتمرد، أو يكون محطة راحة وتموين وتغطية للمتمردين. ولكن ما هو عمل هؤلاء لاسيما الرجال منهم؟. لم يكونوا طبعاً عمالاً لأنه لا يوجد مكان يعملون فيه، ولم يعودوا زراعاً لأنه لا توجد أرض ولا مياه… ولا يُسمح لهم إن وجدت الأرض أن يذهبوا إليها. ثم لم يعدْ بوسعهم أن يكونوا رعاة لأنه لا توجد ماشية ولا مرعى… إذن، ما الذي يفعلون؟. كانوا يقضون الأوقات بالجلوس على قارعة الطريق، أو الاتكاء على جدران المنازل ومراقبة ظواهر الكون البديعة.

2- ويشمل البند الثاني الخطة التي تم تنفيذها، شحن المواطنين الكرد بشاحنات نقل البضائع والمغادرة بهم إلى حافة الصحراء، لاسيما في محافظة الأنبار التي تبعد نحو (600 كم) عن مناطق سكناهم… وهناك يُتركون بعد أن يوضعوا في معسكرات مسورة أسوة بمعسكرات النازيين.

3- ولكن من أين يأكل سكان القرى المستحدثة والمنفيون؟، ومن أين يشربون؟، وكيف يعلمون أبناءهم؟، وأين يعالجون؟ … ليست هذه الحاجات كلها من شأن حزب البعث، فعلى الإنسان أن يواجه قدره. وهنا يصح عليهم قول القائد المؤسس ميشيل عفلق: (ياما أحيلاه قدراً قاسياً عتياً لكنه محبب شهي يريد الله أن نكون كلنا أبطالاً ولا راد لإرادة الله)، ولم يصبح عفلق وزمرته أبطالاً، بل صار بطلاً كل من ناصبهم العداء.

4- وهنا يظهر سؤال: كيف أُرغم هؤلاء على ترك القرى والقصبات في الجبال والوديان… لقد كان الأسلوب بسيطاً، وهو قيام الطيران العراقي والمدفعية الثقيلة بهدم المساكن على رؤوس أصحابها وحرق الزرع وقتل الضرع، ومن ينجو مصادفة، فإنه يذهب إلى قرى الحكومة التي أسلفنا الحديث عنها.

5- غير أن هذه الطريقة في التطهير العرقي لم تكن كافية لإزاحة شعبٍ بأكمله عن وطنه الذي يقطنه منذ آلاف السنين. لذلك وما إن وضعت الحرب العراقية ـ الإيرانية أوزارها، حتى حشد العدد الأكبر من الفرق الستين التي كان قد ساقها لمحاربة إيران، وبإسناد مدفعي وجوي كثيف، تقدمت هذه الفرق بعضاً جنب بعض، كما يصطف الحاصدون… وبدأت تهدم كل مبنى أمامه، وتقتل كل فرد يعترضها، وتحرق كل مزرعة أو بستانٍ… ثم الاستحواذ على كل سلاح ومتاع. ولهذا فقد سُمّيت الأنفال: (ويسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول)، وما نفل عن الشيء فهو فائض أو نافل، ولقد صدرت أوامر صريحة تقضي أن يكون كل ما يعثر عليه الضابط أو الجندي من بيوت الكرد، فإنه يصبح ملكاً له باستثناء الأسلحة الثقيلة. وعلى هذا كان البعث يدرب جنوده وبه يغريهم بإبادة الكرد. وفي عصرنا هذا في الأقل، ليس بوسع عدو أن يفعل ذلك بعدوه. بل إن هولاكو نفسه لم يفعل ذلك ببغداد وأهلها برغم بشاعة جرائمه. فكيف يصح لحزب أن يفعل ذلك بمواطنيه؟، وكيف يصح لقائد أن يعامل شعبه بهذه الطريقة؟. أو ليس القائد أباً قبل أن يكون سياسياً؟. ثم إن صدام حسين يتشدق في المحكمة أنه قاد العراق 35 عاماً، فيا لها من قيادة قتلت وخربت وأحرقت وفرقت ولم تتركْ جريمة إلا وقد اقترفتها.

6- ثم حدثت الطامة الكبرى في نيسان عام 1988. فلقد أكمل صهر الرئيس الفريق الركن حسين كامل مدير التصنيع العسكري و (المشرف على وزارات الصناعة والتعليم العالي والتربية والتخطيط) والجندي السائق برتبة عريف قبل صدام، لقد أكمل صناعة السلاح الكيمياوي المزدوج… وبشر به حماه وقائده… ولقد دفعت مئات الملايين لباعة الشر وتجار السلاح. فلابد من تجريبه، لا في الأرض اليباب، ولا في الصحراء… فأين هي هيروشيما العراق أو ناغازاكي؟، إذ لابد من بشر يجرب عليهم السلاح كفئران المختبرات. وأُوكلت المهمة التنفيذية إلى الفريق الأول الركن علي حسن المجيد وزير الدفاع وعامل (البدالة) قبل صدام حسين. وذات مساء مروع ألقت الطائرات بحمولتها على مدينة حلبجة، فلم ينجُ أحد من الموت إلا من شّوهت أعضاؤه ثم مات… وصفق الرئيس بسعادة وبارك للقتلة إجرامهم. أو ليس هذا ما يبتغيه داخل نفسه المظلمة والمعبأة حتى الفيض بروح الشر… ولم يتركْ صدام الفرصة تمر، فدعا إلى اجتماع طارئ في بيته حضره وزير الدفاع ورئيس الأركان ومدير الاستخبارات وقائد القوة الجوية وقائد الحرس الجمهوري وأمين سر القيادة العامة للقوات المسلحة… فماذا كان غرض الاجتماع؟. إنه في الليلة الفائتة قد تساءل صدام مع نفسه، إذا كان لديه سلاح إبادة جماعية من هذا النوع، فلماذا لا يستعيد الفاو ويصبح بطلاً لتحرير الأرض التي كان هو السبب في اغتصابها؟. وهكذا، فإنه في الأول من رمضان عام 1988 الذي صادف يوم 17 نيسان، ومع كلمة السر (رمضان مبارك) التي تبادلها القادة والآمرون، مضت طائرات صدام ومدفعيته بكل عددها وأنواعها تلقي الموت الزؤام على جنود إيران الذين لم يكونوا بذلك العدد الكبير… وضمن مساحة صغيرة أحرقت الأرض ومنْ عليها، وقد تسنى لي أن أحلق بطائرة مروحية فوق مسرح القتال، فما رأيت إلا أرضاً لونها بلون زيت المحركات الذي كان يعكس بريق الشمس.

والله يشهد أن الفرصة كانت متاحة للقوات العراقية أن تحرر الفاو من دون أسلحة التدمير الشامل، بل بتفوق العراق في الطيران والدرع وقدرته على حشد قوة تفوق قوة الإيرانيين في المنطقة… لكن المجرم لا يقاتل بسلاح النبلاء.

7- واليكم هذه الحادثة البسيطة، وهي أنه بعد توقيع الملا مصطفى البارزاني رحمه الله على بيان 11 آذار، أرسل البارزاني برقية إلى رئيس الجمهورية يهنئه بها. ورد أحمد حسن البكر شاكراً. وهنا وقعت وكالة الأنباء العراقية (بخطأ جسيم). ذلك أنها لم توزع فقط برقية البارزاني، إنما وزعت معها برقية الرئيس الجوابية. ولقد عُدّ هذا كفراً. وقال الرئيس لمن ْأجابه على هاتف الوكالة، (ألعن أبو أحمد حسن وألعن أبو بهجت شاكر)، وبهجت شاكر كان وقتها المدير العام لوكالة الأنباء العراقية. إذن لا يصح أن تذاع برقية لإجابة مواطن مثل البارزاني، لأن ذلك انتقاص من هيبة (البعث) واعلاء لشأن الكرد.

8- ولعل أقوى دليل على حسن نوايا صدام تجاه الاكراد وتجاه التزامه بتنفيذ اتفاق 11 آذار مع البارزاني، هو أنه أرسل إليه حقيبة مفخخة وقيل لحاملها إن فيها أسراراً فلا يجب فتحها إلا في حضرة البارزاني، ولكن ما إن فُتحت حتى انفجر ما في داخلها من الــــ T.N.T .

9- والآن دعونا من كل هذا ولنضع الأسئلة التالية:

أ ـ كم عدد الوزراء في العراق وكم كان عدد الأكراد منهم؟، ثم ما الحقائب الوزارية التي أُنيطت بهم؟.

وزيران فقط كل منهما وزير دولة… لا عمل له… ومقر كل منهما غرفة مع موظفي وزارة التخطيط.

ب ـ كم محافظاً كردياً من أصل 18 محافظاً؟، لا أحد.

ج ـ كم سفير كردي بين سفراء العراق؟، لا أحد.

د ـ كم مديراً عاماً كردياً؟، لا أحد.

هـ ـ كم قائد فيلق أو قائد فرقة أو آمر لواء؟، لا أحد.

و ـ ولكي نكون منصفين مع التاريخ، إن هناك عضواً في مجلس قيادة الثورة ونائبا لرئيس الجمهورية هو الأستاذ طه محيي الدين… والذي أنيطت به فقط مسؤولية علاقة العراق بدول أفريقيا الجنوبية.

ز ـ ولكن كم شهيداً مات دفاعاً عن العراق من الكرد؟، هناك عشرات الألوف.

10-  أما الذين تعاونوا مع الأنظمة المتعاقبة في العراق من الكرد والذين يطلق عليهم الأكراد (الجحوش)، فهؤلاء من المرتزقة الذين كانوا يقدمون للدولة قوائم وهمية بأسماء الألوف من اتباعهم، لكن الأتباع كانوا بضع عشرات. وهكذا فإن قائد المجموعة كان يحصل شهرياً على ملايين الدنانير ثم ينفقها في بغداد في دور البغاء وعلى موائد الروليت التي أقيمت خصيصاً لهم. ومع ذلك، فإن العشرات من هؤلاء قد أُعدموا بلحظة من قبل قادة الفيالق والفرق بحجة أنهم كذبوا، او تهاونوا في المعركة، أو مجرد الاشتباه، أو لمعلومة صغيرة وردت عنهم.

هكذا إذن يرعى البعث الأقليات القومية وهذه هي إنسانيته.  لكن البعض من العرب يستنكر أن يكون رئيس جمهورية العراق ولأول مرة في التاريخ كردياً وكأن في ذلك جريمة. إن هذا الطرح يكشف عن جهل هؤلاء وضآلة تفكيرهم، أو عن تعصب أعمى، وعنصرية شوفينية بغيضة. فلماذا لا يكون جلال طالباني رئيساً للجمهورية طالما كان مواطناً عراقياً؟، وهل تنتقص كرديته من مواطنته؟، وهل كُتب فقط على الأكراد أن يقاتلوا ويموتوا دفاعاً عن (البوابة الشرقية للوطن العربي) وعن فلسطين، شرط أن يظلوا عبيداً ومواطنين ثانويين. يالغباء هؤلاء الذين تربّوْا على أيدي الأحزاب الأصولية أو الأحزاب (اليسارية) الفاسقة.

>